الشيخ محمد رشيد رضا
331
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يتكبر بأن يظهر للناس المرة بعد المرة انه كبير الشأن ، ولو بالحق ، فكيف إذا كان ذلك بالباطل كما هو شأن البشر ، فان الكبير بالفعل لا يتعمد ويتكلف أن يظهر للناس انه كبير وإنما يتعمد ذلك ويتوخاه من يشعر بصغار نفسه في باطن سره ، فيحمله حب العلوّ على تكلف إخفاء هذا الصغار بما يتكلفه من اظهار كبره ، فيكون من خلقه ان لا يخضع للحق ولا يقدر الناس قدرهم ، لأن جعله نفسه أكبر من الحق ومن الناس فلا يرضى ان يكونا فوقه . ولذلك فسر النبي ( ص ) الكبر بهذا المعنى الذي هو موضع النقص وسبب المؤاخذة فقال « الكبر من بطر الحق وغمط الناس » رواه أبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة بسند صحيح . واما تكبر الخالق عز وجل وهو إظهار كبريائه وعظمته لعباده المرة بعد المرة فهو - على كونه لا يكون الا حقا لأنه تعالى أكبر من كل شيء وأعظم - تربية لهم وتغذية لإيمانهم ، يوجه قلوبهم إلى الكمال الأعلى فيقوى استعدادهم لتكميل أنفسهم وعرفانهم بها ، فيكونون أحقاء بألّا يرفعوها عن مكانها بالباطل ، ولا يسفهوها فيرضوا لها بالخسائس . وانما أطلنا في تفسير كلمة جبارين واستطردنا إلى اسم الجبار والمتكبر من أسماء اللّه تعالى لما نعلمه من ضلال بعض الناس في فهم الاسمين الكريمين . أما ما روي في التفسير المأثور من وصف هؤلاء الجبارين فأكثره من الاسرائليات الخرافية التي كان يبثها اليهود في المسلمين ، فرووها من غير عزو إليهم ، كقولهم ان العيون الاثني عشر الذين بعثهم موسى إلى ما وراء الأردن ليتجسسوا ويخبروه بحال تلك الأرض ومن فيها قبل ان يدخلها قومه ، رآهم أحد الجبارين فوضعهم كلهم في كسائه أو في حجزته ، وفي رواية كان أحدهم يجني الفاكهة فكان كلما أصاب واحدا من هؤلاء العيون وضعه في كمه مع الفاكهة . وفي رواية ان سبعين رجلا من قوم موسى استظلوا في ظل خف رجل من هؤلاء العماليق . وأمثل ما روى في ذلك وأصدقه قول قتادة عند عبد الرزاق وعبد بن حميد في قوله تعالى « إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ » قال : هم أطول منا أجساما وأشد قوة . وأفرطوا في وصف فاكهتهم كما فرطوا في وصفهم ، فروى ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى « اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً » الذي مر تفسيره : أرسلهم موسى إلى الجبارين فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان